منتدى الاستاذ موسى نبهان
ادارة منتدى الاستاذ موسى نبهان ترحب بالزائر الكريم وتتمنى له المتعة والفائدة في موقعنا
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

أثر الأمن في النهضة الحضارية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أثر الأمن في النهضة الحضارية

مُساهمة  هيئة المنتدى التحريرية في الأربعاء يونيو 08, 2011 8:39 pm

كتبه د. عبدالعزيز بن فوزان الفوزان

مما يؤكد أهمية الأمن وضرورة الناس إليه، ذلك الترابط الوثيق بين النهضة الحضارية الشاملة وبين الشعور بالأمن، وهو أمر تصدقه الشواهد التاريخية الماضية، والوقائع الكثيرة الماثلة، فإنك حين تجيل نظرك في الواقع المعاصر، وتقلب صفحات التاريخ الغابر، تجد شواهد كثيرة، تعلن بكل وضوح: ألا حضارة بلا أمن واستقرار...
فالأفكار والمبادئ الصحيحة لاتنطلق وتؤثر إلا في ظل الأمن.
والعقول لا تبدع وتبتكر إلا في ظل الأمن.
والتجارة لا تنمو وتزدهر إلا في ظل الأمن.
والتعليم لا يقوى وينتشر إلا في ظل الأمن.
وكل أسباب التقدم والرقي لا تتوفر وتثمر إلا في ظل الأمن.
فإذا فقد الأمن، فإن المؤمنين قد يضطرون إلى إخفاء عقائدهم ومبادئهم الصحيحة، فضلا عن أن يقوموا بأداء شعائر دينهم الظاهرة.
وإذا استطاعوا ذلك، فإنهم قد لا يتمكنون من القيام بواجب الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل تقيد حرياتهم، وتصادر أفكارهم، وتكمم أفواههم، وتحصى عليهم أنفاسهم، كما هو مشاهد اليوم في بعض الدول والمجتمعات.
وإذا فقد الأمن خملت العقول وتحجرت، لأنها والحالة هذه مشغولة بتأمين نفسها، ودفع الظلم والعدوان عنها، فإن الخائف على الشيء محصور الهمّ به، مشغول الفكر عن غيره، فصار كالمريض الذي هو بمرضه متشاغل، وعما سواه غافل.
وإذا فقد الأمن تعطلت المدارس وحلق الذكر، وبارت سوق العلم والعلماء.
وإذا فقد الأمن كسدت التجارة، وتدهور النشاط الاقتصادي، وقعد الناس عن التكسب، وتنمية الأموال واستثمارها، بل لربما تأثر بعضهم بهذا الجو الآسن، فأخذوا يشاركون في الإفساد والعدوان، والسلب والنهب، فبدلا من الاشتغال بالتجارة، وتنمية الأموال بالطرق المباحة، تحولوا إلى الإجرام، وانتهاك الحرمات، وأكل أموال الناس بالباطل.
وقد جاء في كتاب "أدب الدنيا والدين" وشرحه "منهاج اليقين"[1]: أن ما تصلح به الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة، وأمورها ملتئمة، ستة أشياء، ومنها الأمن العام، ونصه: "وأما القاعدة الرابعة فهي أمن عام، تطمئن إليه النفوس، وتنتشر فيه الهمم، فتكثر المواد والتجارات، ويؤدي إلى الخصب والمواساة، والتواصل بالمال، ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة، حتى يستعمل فكره في المهمات، ودراهمه في المعاملات، وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش. وقال أحدهم: الأمن يذهب وحشة الوحدة، كما أن الخوف يذهب أنس الجماعة. وقال آخر: الأمن مع الفقر، خير من الخوف مع الغنى. لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم، وانتظام جملتهم"
وليس الأمر مقتصراً على ما ذكر، فإن الأمن إذا فقد، عمّ القلق، وانتشر الخوف، واضطربت النفوس، وهذا يؤدي بدوره إلى آثار خطيرة على الأرواح والعقول، فضلاً عن الأمراض العصبية، والاضطرابات النفسية...
جاء في كتاب "دع القلق وابدأ الحياة"[2]: "تدل الإحصائيات في أمريكا على أنه في كل خمس وثلاثين دقيقة، يقع حادث انتحار. وفي كل مائة وعشرين ثانية، يصاب شخص بالجنون.
ومعظم حوادث الانتحار، وكثير من حالات الجنون على الأرجح، يمكن أن يقطع دابرها إذا أصاب هؤلاء الناس شيء من الأمان والاطمئنان، وسكينة النفس التي يجلبها الدين، وتجلبها الصلاة[3]"
وجاء فيه[4]: "لقد عشت في نيويورك أكثر من سبع وثلاثين سنة، فلم يحدث أن طرق بابي أحد ليحذرني من مرض يدعى القلق[5].
هذا المرض الذي سبب في خلال الأعوام السبعة والثلاثين الماضية من الخسائر في الأنفس أكثر مما سببه الجدري بعشرة آلاف ضعف!.
نعم، لم يطرق بابي أحد ليحذرني من أن شخصا من كل عشرة أشخاص من سكان أمريكا، معرض للإصابة بانهيار عصبي، مرجعه في معظم الأحيان إلى القلق" الذي يؤدي إلى "عسر الهضم العصبي، وقرحة المعدة، واضطرابات القلب، والأرق، والصداع، وبعض أنواع الشلل"
وجاء فيه[6]: "لقد أثبتت الإحصائيات أن القلق هو القاتل رقم: (1) في أمريكا. ففي خلال سني الحرب العالمية الأخيرة، قتل من أبنائنا نحو ثلث مليون مقاتل. وفي خلال هذه الفترة نفسها، قضى داء القلب على مليوني نسمة. ومن هؤلاء مليون نسمة كان مرضهم ناشئا عن القلق وتوتر الأعصاب...
وإليك حقيقة مدهشة قد يصعب عليك تصديقها: إن عدد الأمريكيين الذين ينتحرون، يفوق عدد الذين يموتون بالأمراض على اختلافها! فلماذا؟ الجواب في معظم الأحوال هو: القلق".
والملاحظ في هذه الإحصاءات، أنها محصورة في أمريكا، ولم يتعرض المؤلف لحجم هذه الأمراض في بقية دول الغرب، وهي منتشرة فيها بنسب عالية، تتزايد باطراد، يوماً بعد يوم.
كما أنه لم يتعرض للخسائر الهائلة التي تنشأ عن الجرائم المختلفة من التعدي على النفوس والأبدان، والتجني على العقول، والتسلط على الأعراض والحرمات، والتغلب على الأموال والممتلكات، إلى غير ذلك.
فلقد بلغ المجرمون هناك درجة لا تكاد تصدق من الاستهتار بالقيم الإنسانية، واسترخاص الإنسان، واستباحة دمه، وماله، وعرضه. وكوّنوا لذلك عصابات إجرامية ومنظمات إرهابية، تضارع الدول والحكومات في قوتها ودقة تخطيطها، وتوظيفها للتقنية في خدمة إجرامها وظلمها، فهي تسفك الدماء، وتقطع السبل، وتترصد للناس، لتأخذ أموالهم، وتهتك أعراضهم، وتنشر الرعب في صفوفهم، من قاومهم قتلوه، ومن سكت عنهم أهانوه وابتزوه.
فالجريمة هناك في تفاقم مستمر، والدول بكل إمكاناتها عاجزة عن مكافحة الجريمة وضمان الأمن لشعوبها.
ولا أدل على ذلك من أن يقوم رئيس أكبر دولة في العالم، وأكثرها تطوراً وتوفر إمكانيات، فينادي شعبه قائلاً: إياكم والخروج بعد غروب الشمس، ولا يحملن أحدكم في جيبه أكثر من ثلاثين دولاراً، لكي لا يكون عرضة للمجرمين وقطاع الطريق.[7]
وقال في مناسبة أخرى عام 1982م: "إنه لا يسعنا الاعتقاد بأنه في مقدور المواطنين القيام بالنزهات المسائية في الحدائق بشكل طبيعي وهاديء". واعترف بمرارة أن نقابات الإجرام تشكل جزءاً مأساوياً من تاريخ أمريكا.[8]
ولهذا، فلا عجب أن تحذّر بعض الدول رعاياها، إذا ذهبوا إلى هناك ألا يخرجوا ليلاً، وألا يحملوا النقود في جيوبهم خشية التعرض للاختطاف والقتل والسرقة.
ومن أبلغ ما يشهد به الواقع كذلك: ما حدث في الخامس عشر من يوليو، عام 1977م، ونشرته صحف العالم في حينه، من أن التيار الكهربائي انقطع في "نيويورك" لمدة خمس وعشرين ساعة متوالية، فتحولت المدينة إلى مسرح للنهب والسلب، وسرقت البيوت والمتاجر، والمرافق العامة والخاصة، وارتكب في تلك الليلة الواحدة ما يعادل جرائم سنة كاملة.[9]
والحقائق في هذا الباب كثيرة ومذهلة، وسردها يطول، ولكني سأختمها بمقتطفات من كتاب بعنوان "يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة"، وهو عبارة عن دراسة علمية([10]) أجراها باحثان أمريكيان، تناولا فيها قضايا متعددة، لها علاقة بواقع المجتمع الأمريكي المعاصر، وشملت عينة كبيرة من المواطنين الأمريكيين، الذين شاركوا بآرائهم في القضايا المطروحة للدراسة.
تقول الدراسة تحت مبحث بعنوان "إيذاء الأطفال وباء أمريكي"[11]: "إن ما نسبته واحد إلى ستة من الأمريكيين في كل أنحاء الولايات المتحدة قد تعرض لإيذاء جسدي في طفولته. ومثل هذه النسبة تقريباً (واحد إلى سبعة) اعترفوا بأنهم كانوا ضحايا للاعتداء الجنسي عليهم، عندما كانوا أطفالاً... وبالإضافة إلى هذه الإحصائيات، فإن كثيراً من الناس يتكتمون كثيراً، ولا يبدون شيئاً من جراح الطفولة ومعاناتها"
وفي مبحث آخر بعنوان "الاغتصاب"[12]: "الاعتداء على الأطفال وإيذاؤهم ليس الوباء الاجتماعي الوحيد في كل أنحاء الولايات المتحدة، هناك مشكلة جد خطيرة، ألا وهي مشكلة الاغتصاب الجنسي، والأرقام في هذا الصدد كبيرة وهائلة.
نسبة عشرين بالمائة من النساء اللاتي تحدثنا معهن أخبرننا بأنهن قد اغتصبن في لقاء مع أحد أصدقائهن. وعندما نتصور هذا الرقم على المستوى الوطني، فإن هذه النسبة تعني أن ما يقارب من تسعة عشر مليوناً من النساء في الولايات المتحدة، كن ضحايا لمشكلة الاغتصاب...
إن خوف الفتيات وتعرضهن للتهديد من أصدقائهن هو السبب الذي يفسر لنا لماذا كثير من حالات الاغتصاب لا تسجل رسمياً؟ أكثر من نصف الفتيات اللاتي تعرضن للاغتصاب لا يخبرن أحداً بذلك. وما نسبته واحد إلى عشرين من هؤلاء النساء يذهبن إلى دائرة الشرطة لتسجيل الحادث رسمياً".
وفي مبحث آخر بعنوان "غياب مفهوم القرية والجماعة الواحدة"[13]: "إذا كان الناس يحترمون حياة الآخرين ويقدرون ممتلكاتهم، فسيكون هناك نوع من التآلف بينهم. ولكن الوقت الحاضر يشهد غياب هذا المفهوم، وبدأ الأمريكيون لا يحترمون ممتلكات غيرهم:
نسبة ثلاثة من كل أربعة مواطنين أمريكيين اعترفوا بأنهم يعتدون على ممتلكات غيرهم. ونسبة ستين بالمائة يسرقون أشياء معينة من أماكن الوظيفة والعمل، ونسبة خمسين بالمائة يسرقون المناشف من الفنادق أو الأندية الصحية[14]، ونسبة خمس وعشرين بالمائة لا يسددون ديونهم أو القروض التي كانت عليهم، ونسبة تسعة وعشرين بالمائة يسرقون من المحلات التجارية. وتسعة بالمائة يسرقون من أزواجهم، وواحد وعشرون بالمائة من والديهم، وثلاثة عشرة بالمائة من أصدقائهم".
وفي مبحث آخر، أكثر إثارة، وأصدق تعبيراً عن آثار العدوان والإجرام على الأمن والاستقرار، وهو بعنوان "الأرقام الحقيقية للجريمة في أمريكا"[15]: "إن نسبة (39%) من شعب الولايات المتحدة قد مارسوا أنواعاً مختلفة من الجريمة في حياتهم. من بين هؤلاء نسبة لا بأس بها يمارسون العنف حتى على أنفسهم...
في هذه البلاد التي تتسم بالعنف لا يبدو هناك ثمة سبب يثير الدهشة أو الاستغراب، إذا قلنا: إن نسبة قليلة منا (32%) يشعرون بالأمن وعدم الخوف من جيرانهم.
لقد قال أكثر أفراد العينة: إننا نعيش في رعب مستمر... إن أكثر من نصف الشعب الأمريكي (60%) كانوا ضحية للجريمة مرة واحدة في حياتهم على الأقل. وبالطبع، فإن أكثر من نصف الشعب (58%) كانوا ضحية للجريمة مرتين أو أكثر.
لقد تعودنا وألفنا قراءة الأرقام المتعلقة بجرائم العنف في الأحياء الفقيرة في الصحف، لكن الذي يثير دهشتنا هو تلك الأرقام المرتفعة للجريمة التي تحدث في الأحياء الراقية أو المتوسطة...
الأمريكيون يقتلون أنفسهم كل سنة وبمعدلات كبيرة، أكثر من خمس وعشرين ألف جريمة قتل تحدث سنوياً في أمريكا".
وقد جاء تأكيد ذلك في دراسة رسمية صادرة عن وزارة العدل الأمريكية. حيث تقول الدارسة: "إنه في عام 1993 م وحده وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية أربعة ملايين وأربعمائة ألف جريمة قتل واغتصاب وسرقة استخدم فيها السلاح. من بينها أربعة وعشرون ألفاً وخمس مائة جريمة قتل"[16]




--------------------------------------------------------------------------------

[1] ص: 247
[2] ص: 291
[3] وإذا كان هذا هو ما يقرره رجل نصراني عن أثر الدين المحرف، والصلاة المبتدعة في تحقيق الأمن والطمأنينة، فما بالك بمن يدين بالدين الحق، ويصلي كما أمره الله عز وجل؟!!، كم سيشعر بالطمأنينة والسكينة، والراحة التي تملأ شغاف قلبه، وتجلب له السعادة والأمن!!.
[4] ص: 56-58
[5] أشار قبل ذلك، أن آلافاً من المتطوعين كانوا يطرقون الأبواب في طول مدينة نيويورك وعرضها، ويحضون الناس على التطعيم ضد الجدري، الذي كان منتشراً في وقت مضى.
[6] ص: 69، 70
[7] من نداء وجهه الرئيس ريجان، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى شعبه وقت توليته، ونشرته الصحف في حينه.
انظر: حول تطبيق الشريعة الإسلامية ص: 97-98.
[8] أفول شمس الحضارة الغربية من نافذة الجرائم ص: 145.
[9] انظر: الشريعة الإسلامية وأثرها في الظاهرة الإجرامية ص: 63، و"حول تطبيق الشريعة" ص: 65، و"أثر تطبيق الشريعة الإسلامية في الممكلة العربية السعودية على استتباب الأمن"، بحث في مجلة الأمن، العدد الخامس، ص: 33.
[10]صدر هذا الكتاب في عام 1991 م، ويقع في مائتين وسبعين صفحة من القطع المتوسط. وقد ترجمه إلى العربية الدكتور: محمد بن سعود البشر، وتمت طباعته في الرياض، عام 1414هـ.
[11] ص: 95.
[12] ص: 99.
[13] ص: 137.
[14] وقد نشرت جريدة الشرق الأوسط في يوم الثلاثاء 13/2/1416هـ، عدد (6069) خبراً هذا نصه: "أكدت تقارير في الصناعة السياحية في الولايات المتحدة الأمريكية أن مجموع قيمة السرقات من غرف الفنادق تبلغ مائة مليون دولار سنوياً. وتشمل هذه السرقات أعداداً ضخمة من البطانيات والمناشف والعطور ولوازم التجميل وعلاّقات الملابس وغيرها.
واعترف أصحاب الفنادق بعجزهم عن السيطرة على هذه السرقات التي تزداد سنوياً. وقالوا: ليس من السهل تفتيش حقائب النزلاء أثناء مغادرتهم الفندق للتأكد من خلوها من المسروقات.
وذكر أحد مديري الفنادق الضخمة أن فندقه يفقد خمسمائة علاقة ملابس، ومائة روب حمام، وألفي منشفة سنوياً...
وذكر مدير فندق معروف في شيكاغو أنه اكتشف أن بعض النزلاء تمكنوا من سرقة أجهزة التلفزيون والراديو والكراسي والطاولات واللوحات الفنية".
[15] ص: 141.
[16] مجلة "العربي"، عدد 442، ربيع الآخر، 1416هـ، ص: 58
avatar
هيئة المنتدى التحريرية
Admin

عدد المساهمات : 797
تاريخ التسجيل : 15/03/2010

http://mnabhan.motionforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى